عبدول السيد.. المصري المصري لذي أربك واشنطن وأشعل معركة الهوية في أمريكا**
بقلم الاعلامي محمد لاشين
قضية المهاجرين إلى أبواب مجلس الشيوخ.. معركة قد تعيد رسم وجه السياسة الأمريكية
هناك انتخابات تمر في صمت، وهناك انتخابات تكشف أن المجتمع نفسه بدأ يتغير.
وفوز عبد الرحمن «عبدول» السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان ينتمي إلى النوع الثاني.
فالرجل الأمريكي من أصول مصرية لم يعد مجرد طبيب وسياسي يخوض سباقًا انتخابيًا.
عبدول أصبح عنوانًا لمعركة أكبر من شخصه.
معركة حول شكل أمريكا، وهوية الحزب الديمقراطي، وحدود تأثير الدين والهجرة والقضية الفلسطينية في الانتخابات الأمريكية.
والأهم أن وصوله إلى هذه المرحلة جاء في ولاية تعرف جيدًا معنى الهجرة والتنوع؛ ميشيغان تضم واحدة من أكبر التجمعات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة.
وهنا بدأت الحسابات تتغير.
واشنطن أمام سؤال صعب
لسنوات طويلة كان وجود المسلمين والعرب في السياسة الأمريكية يتزايد تدريجيًا، لكن وصول سياسي من أصول مصرية إلى المنافسة على مقعد في مجلس الشيوخ يرفع السقف إلى مستوى مختلف.
مجلس الشيوخ ليس مجرد مؤسسة تشريعية.
إنه أحد أهم مراكز صناعة القرار الأمريكي في ملفات الحرب والسلام والميزانيات والسياسة الخارجية والتعيينات الكبرى.
ولهذا فإن دخول عبدول إليه، إذا فاز في الانتخابات العامة، لن يكون مجرد انتصار شخصي.
سيكون رسالة سياسية.
رسالة تقول إن الناخب الأمريكي يمكن أن يضع الدين والأصل جانبًا عندما يرى مرشحًا يتحدث عن الصحة والاقتصاد وتكاليف المعيشة والعدالة الاجتماعية.
لكن خصومه يريدون معركة مختلفة.
هم يريدون تحويل الانتخابات إلى سؤال عن هوية عبدول ومواقفه من إسرائيل وفلسطين والدين والسياسة الخارجية.
وهنا تكمن خطورة اللعبة.
فلسطين تدخل صندوق الاقتراع الأمريكي
عبدول من الأصوات الديمقراطية التي اتخذت مواقف حادة تجاه الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، وهو ما يجعله في مواجهة مع تيارات مؤثرة داخل واشنطن.
وهذه ليست قضية صغيرة.
لأن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل كانت لعقود من أكثر الملفات حساسية داخل الكونغرس.
وبالتالي فإن وصول سياسي يتبنى خطابًا أكثر انتقادًا لهذه السياسة إلى مجلس الشيوخ قد يفتح نقاشًا مختلفًا داخل المؤسسة الأمريكية.
ليس معنى ذلك أن عبدول وحده سيغير السياسة الأمريكية.
لكن السياسة تتغير أحيانًا عندما يتغير عدد الأصوات التي تجرؤ على قول ما كان ممنوعًا سياسيًا.
وهنا تكمن أهمية التجربة.
ترامب يدخل على الخط
الهجوم عليه من جانب دونالد ترامب يكشف أن المعركة لن تكون هادئة.
فعندما يدخل اسم مرشح لمجلس الشيوخ في خطاب الرئيس السابق، فهذا يعني أن السباق بدأ يتحول إلى معركة سياسية تتجاوز حدود ميشيغان.
لكن عبدول يواجه معضلة أيضًا.
إذا سمح لخصومه بتقديمه باعتباره «مرشح الهوية»، فقد يخسر جزءًا من الناخبين الذين يريدون سياسيًا يتحدث عن حياتهم اليومية.
أما إذا نجح في تحويل المعركة إلى:
«الصحة.. الأسعار.. الوظائف.. التعليم.. ومستقبل المواطن الأمريكي»
فقد يصبح من الصعب على خصومه إسقاطه فقط بسبب أصله أو دينه.
المصري الذي يراقبه الأمريكيون
المفارقة السياسية أن عبدول يحمل اسمًا وجذورًا مرتبطة بمصر، لكنه يخوض معركة أمريكية بالكامل.
هو لا يطلب من الناخب الأمريكي أن ينتخبه لأنه مصري الأصل.
ولا يستطيع أن يفعل ذلك أصلًا.
بل عليه أن يقنع الناخب بأنه قادر على تمثيله داخل واحدة من أقوى مؤسسات الدولة الأمريكية.
وهنا يتحول الأصل المصري من مجرد خلفية شخصية إلى جزء من قصة سياسية أكبر:
هل تستطيع أمريكا الجديدة أن تصل إلى قلب أمريكا القديمة؟
هذا هو السؤال.
المعركة الحقيقية بدأت الآن
الفوز بالترشيح الديمقراطي ليس نهاية الطريق.
الانتخابات العامة ستكون أصعب، والخصوم سيستخدمون كل أدوات السياسة والإعلام والإعلانات الانتخابية.
لكن عبدول حقق بالفعل شيئًا مهمًا:
لقد جعل اسمه قضية وطنية داخل الولايات المتحدة.
وسواء فاز أم خسر، فقد فتح الباب أمام سؤال لم يعد من السهل إغلاقه:
هل تتجه أمريكا نحو طبقة سياسية أكثر تنوعًا، أم أن صعود السياسيين من أصول عربية ومسلمة سيظل يصطدم بسقف الهوية والسياسة الخارجية؟
والإجابة لن تأتي من واشنطن وحدها.
ستأتي من صناديق الاقتراع في ميشيغان.
هناك، سيقرر الناخبون ما إذا كان عبدول السيد مجرد ظاهرة انتخابية مؤقتة...
أم بداية فصل جديد.
فإذا دخل عبدول السيد مجلس الشيوخ، فلن يكون السؤال وقتها: من هو عبدول؟
بل:
كم عبدول آخر ينتظر دوره في أمريكا الجديدة؟