زيارة شي جين بينغ إلى مصر.. القاهرة ترسم ملامح توازن جديد في الشرق الأوسط
بقلم الإعلامي والكاتب والمحلل السياسي محمد لاشين
لم تأتِ زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في توقيت عادي، ولم تكن مجرد زيارة بروتوكولية لتجديد العلاقات بين القاهرة وبكين، وإنما تحمل في توقيتها ورسائلها أبعادًا سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، لتصل إلى طبيعة النظام الدولي الجديد ومستقبل النفوذ في الشرق الأوسط.
فبعد نحو عشر سنوات على آخر زيارة للرئيس الصيني إلى مصر، يعود شي جين بينغ إلى القاهرة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتغير فيها موازين القوى والتحالفات، وتتزايد الحاجة المصرية إلى تنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان إلى قوة واحدة. وتأتي الزيارة بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، بما يمنحها رمزية سياسية إضافية.
مصر.. حجر الزاوية في الحسابات الصينية
تنظر بكين إلى مصر باعتبارها واحدة من أهم الدول المحورية في الشرق الأوسط وأفريقيا؛ فالقاهرة تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وتسيطر على قناة السويس، وتمثل بوابة رئيسية للأسواق الأفريقية والعربية.
ولهذا فإن الصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها سوقًا فقط، وإنما باعتبارها شريكًا استراتيجيًا يمكن من خلاله تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
وخلال السنوات الماضية، توسعت الاستثمارات الصينية في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة والتكنولوجيا، كما أصبحت الشركات الصينية طرفًا مهمًا في مشروعات مصرية كبرى، من بينها مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة. كما ارتفع حجم التجارة بين البلدين إلى مستويات كبيرة، بما يعكس انتقال العلاقة من التعاون التقليدي إلى شراكة أكثر اتساعًا.
القاهرة لا تختار بين واشنطن وبكين
أهم رسالة سياسية في زيارة شي إلى القاهرة أن مصر لا تتعامل مع علاقاتها الدولية بمنطق "إما أو".
القاهرة تدرك أهمية علاقاتها التاريخية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تعمل على توسيع شبكة علاقاتها مع الصين وروسيا وأوروبا والقوى الآسيوية الصاعدة.
وهنا تظهر براعة السياسة المصرية في محاولة الحفاظ على مساحة حركة واسعة في عالم لم يعد أحادي القطبية كما كان خلال العقود الماضية.
فمصر تريد الاستفادة من الاستثمارات الصينية والتكنولوجيا والتعاون الاقتصادي، وفي الوقت ذاته الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن، بما يجعل القاهرة لاعبًا قادرًا على المناورة بين مراكز القوة الدولية بدلًا من أن تكون جزءًا من محور واحد.
الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة
زيارة شي تأتي أيضًا في ظل اضطرابات وتحولات كبيرة في المنطقة، وهو ما يمنحها بعدًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية.
الصين تحاول خلال السنوات الأخيرة تقديم نفسها كقوة دولية قادرة على لعب دور سياسي أكبر في الشرق الأوسط، وليس مجرد قوة اقتصادية.
ومن هنا فإن القاهرة تمثل محطة أساسية في هذا التحرك الصيني، خصوصًا أن مصر تمتلك علاقات واسعة مع مختلف الأطراف الإقليمية، وتلعب أدوارًا مؤثرة في ملفات غزة وليبيا والسودان والأمن الإقليمي.
كما أن بكين سبق أن تحركت سياسيًا في ملفات إقليمية مهمة، وهو ما يعكس رغبتها في الانتقال تدريجيًا من دور الشريك التجاري إلى دور اللاعب السياسي.
قناة السويس.. الكلمة السر
عندما تتحدث الصين عن مصر، لا يمكن تجاهل قناة السويس.
القناة ليست مجرد ممر مائي بالنسبة للصين، وإنما جزء مهم من منظومة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد التي تعتمد عليها بكين.
ومع اضطراب طرق التجارة الإقليمية، تزداد أهمية الموقع المصري، وهو ما يجعل الشراكة مع القاهرة ذات قيمة استراتيجية للصين على المدى الطويل.
وفي المقابل، تحتاج مصر إلى جذب المزيد من الاستثمارات الصينية في التصنيع والطاقة والتكنولوجيا والموانئ والمناطق الاقتصادية، بما يساعد على تحويل الموقع الجغرافي المصري إلى قيمة اقتصادية أكبر.
الرسالة الأهم: عالم متعدد الأقطاب
ربما تكون الرسالة السياسية الأكبر للزيارة هي أن العالم يتجه بصورة متسارعة نحو نظام أكثر تعددًا في مراكز القوة.
الصين تريد توسيع نفوذها، والولايات المتحدة تحاول الحفاظ على موقعها العالمي، بينما تبحث روسيا عن مساحات نفوذ جديدة، وتعمل قوى إقليمية مثل الهند وتركيا ودول الخليج على تعزيز استقلالية قراراتها.
وفي وسط هذا المشهد، تبدو مصر حريصة على عدم الوقوف في منطقة واحدة من الخريطة الدولية.
إنها سياسة تقوم على تنويع الشراكات، وجذب الاستثمارات، والحفاظ على القرار الوطني، والاستفادة من التنافس بين القوى الكبرى لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح المصرية.
من السياسة إلى الاقتصاد
لكن نجاح زيارة شي جين بينغ لن يقاس فقط بالبيانات السياسية والصور الرسمية، وإنما بما يمكن أن ينتج عنها من مشروعات واتفاقيات واستثمارات جديدة.
مصر بحاجة إلى استثمارات حقيقية توفر فرص عمل، وتزيد الإنتاج والتصدير، وتنقل التكنولوجيا، وتدعم الصناعة المحلية.
والصين تمتلك إمكانيات هائلة في هذه المجالات، لكن التحدي الحقيقي أمام القاهرة هو تحويل العلاقات السياسية القوية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة يشعر بها المواطن المصري.
القاهرة وبكين.. شراكة تتجاوز اللحظة
زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تؤكد أن العلاقات بين القاهرة وبكين لم تعد علاقة تقليدية بين دولتين، وإنما أصبحت شراكة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واستراتيجية.
والأهم أن هذه الشراكة تأتي في لحظة تاريخية يبحث فيها العالم عن قواعد جديدة للعلاقات الدولية.
من هنا، فإن القاهرة لا تستقبل شي جين بينغ باعتباره رئيس دولة كبرى فقط، وإنما تستقبل طرفًا رئيسيًا في معادلة دولية جديدة تتشكل أمام أعيننا.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع مصر تحويل هذه اللحظة السياسية إلى مكاسب اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد؟
الإجابة ستظهر خلال السنوات المقبلة، لكن المؤكد أن زيارة شي إلى القاهرة تقول بوضوح إن مصر ما زالت في قلب الحسابات الدولية، وإن موقعها الجغرافي والسياسي يجعلها شريكًا لا يمكن للقوى الكبرى تجاهله.